الخميس، 18 يوليو، 2013

صراع ساخن، بين صحفي وشيطان الكتابة .. !



ُنِصحَ الصحافيون بالصمت  .. لأنهم إذا تكلموا فقد يُغضبون (...) قيل لهم مهما كان ويكون لا تنفعلوا، ف. غضب  - اللي على بالكم - ( المخزن ) قد يكون حادا كطبعه .. وكلامه .. وتصرفاته .. وقد يهدم " الهيكل " على رأس الجميع .. والهيكل هنا هو مشروع قانون الصحافة المنتظر، الذي قد يأتي  أو لا  يأتي،  والذي وُرِث من السلف الراحل. 

وقيل للصحافيين أن يصبروا .. وقيل للصحافيين أيضا أن ينتظروا، الانتظار .. الانتظار .. ثم الانتظار وإلا الغضب ..!  والصحافيون صامتون، صابرون لا    يتكلمون .. للأوامر منفذون، مثلهم في ذلك كمثل الدابة التي يشد صاحبها حبلها، متى شاء ويطلقه متى شاء، منتظرون، وكأن على رؤوسهم ألف طير، لا طائرا واحدا .. يختارون كلماتهم بدقة -  إن هم سمحت لهم الظروف بعد إذن  (...)- يراجعون تصريحاتهم بأناة، ويحسبون خطواتهم  وكأنهم يتعلمون " الحبو "  لا مانع في هذا الوقت لدى (...) الذين نصحوا الصحافيين بالصمت، والصبر، والانتظار، لو تداول الصحافيون في أمرهم  واجتمعوا، وتشاوروا، شرط أن لا يصدروا  قرارا، وإن كان هناك من قرار، فليكن  قرار الصبر والانتظار. 

فالانتظار، في نظر أصحاب النصيحة (...) هذه الأيام فضيلة، خاصة وأننا أمة أدمنت الانتظار .. منذ القدم، ونحن في حالة الانتظار، كل تاريخنا، كان تاريخ انتظار .. من انتظار دمقرطة توزيع دعم الدولة المادي على الصحافة بالتساوي .. إلى انتظار بطاقة الصحافة السحرية، التي تسيل لعاب أشباه الصحافيين المحظوظين .. ومن انتظار قانون جديد للصحافة، يوضح المعالم، إلى انتظار الانتظار نفسه، ومن انتظار العمل على حذف العقوبات السالبة للحرية، إلى انتظار تطبيق العدالة واستقلال القضاء، ومن انتظار اعتبار حرية الرأي والتعبير حق من حقوق الإنسان، إلى انتظار تخويل الصحافيين الحق في الوصول إلى المعلومة، والسماح بنشرها دون قيد أو شرط، و من انتظار وانتظار وانتظار إلى انتظار ...!

وكم مرة، قفزت إلى أدهاننا نحن الصحافيون المستقلون .. المستقلون عن الإملاءات طبعا .. نعم، نحن الذين لا مظلات لنا، فكرة لملمة حقائبنا لنذهب إلى عاصمة المملكة، زرافات وليس وحدانا، وكان حلمنا أن نغادر قاعة الانتظار التي فرضت علينا الإقامة بها كرها، وكم كان أملنا كبيرا افتراش التراب أمام باب وزارة الاتصال، ونحن في انتظار معجزة تطبيق حق المساواة بيننا وبين الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، وسرعان ما عدنا إلى رشدنا وطردنا الفكرة من أدهاننا، لما علمنا أن قرارات الوزارة الوصية لا تتغير ولن تتغير، رغم تناوب العديد (منهم) على حمل حقيبتها، ومن يومها ونحن ننتظر .. فما المانع اليوم إذا انتظرنا وصبرنا قليلا ..؟!  

وأنا أخط مسودة هذا الموضوع .. قفزت إلى دهني معلومة قديمة قدم انتظارنا، المتجلية في واقعة طريفة، وهي أن أحد رؤساء مصر "السابقين" الراحلين إلى دار البقاء، بعد زيارته الشهيرة إلى القدس، استدعى الزميل الكبير أحمد بهاء الدين، وقال له، وعلى شفتيه ابتسامة صفراء عريضة : ما الذي تنوي أن تفعله الآن؟ ودهش بهاء  .. واستوضحه ما يقول، ورد عليه الرئيس: لأنك وغيرك من الكتاب والصحافيين العرب أصبحتم فجأة بلا عمل .. إنكم عشتم طويلا على الكتابة، عن الصراع العربي/ الإسرائيلي، وهذا انتهى الآن، وانتهت معه الموضوعات التي لم تعرفوا غيرها  للكتابة..!!  " فإذا بشيطان الكتابة يهمس في أذني قائلا: "وأنتم أيها الصحافيون المغاربة، وخصوصا منكم المستقلون،  ما الذي تنوون فعله اليوم بعدما صُمت الآذان، ولم يبق أحد يرغب في سماعكم، وأنتم تحاربون الفساد بكتاباتكم، وتشيرون بأصابعكم في واضحة النهار إلى المفسدين، المتربعين على كراسي الحكم، هذه الكراسي التي يقولون عنها .. لها جاذبية، و إن من يجلس عليها لا يقوى على تركها طائعا مختارا ..؟" وبكل فخر واعتزاز، أجبت هذا الشيطان اللعين: لا خوف على الصحافيين في هذا البلد، لأن رياح التغيير قد تحركت، منذ مدة، ولنا موعد مع الإصلاح، الذي سيمكننا بعد أيام قلائل أو أسابيع مقبلة، أو ربما بعد أشهر آتية، سيمكننا من الوقوف في وجوه العابثين، الذين أينعت رؤوسهم، وحان وقت قطافها، وسيكون لنا الحق الكامل -على رأي أصحاب ربط المسؤولية بالمحاسبة- في أن نحاكم أصحاب المسؤولية، الذين ساعدوا على تهيئ الفرص، وساهموا في فتح الأبواب على مصراعيها أمام أبطال السرقة والنهب .. والذين يسعون
 جاهدين لخنق أفراد هذا الشعب .. بعد أن عملوا على التخريب، على جميع الواجهات، وقد حلفوا بأغلظ الإيمان، أنهم لن يتوقفوا عن عمليات السلب والنهب، واحتقار المواطنين المطحونين تحت رحى الفساد، حتى يرث اللـه الأرض ومن عليها، لأن هؤلاء المفسدين لا يوقفهم عند حدهم  إلا التغيير.. التغيير الذي سيصفع به المغاربة الأشراف حيتان الفساد، فعاود شيطان الكتابة همسه، وهذه المرة باستهزاء: أي تغيير تنشد أيها الغافل، ألم يأت في خطاب تاسع مارس 2011، الذي شكل زلزالا سياسيا، وقد وصف آنذاك  بالحداثي والديمقراطي والإصلاحي، حيث جاء على لسان ملك البلاد: "...  ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان، بكل أبعادها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية، والثقافية والبيئية، والالتزامات الدولية للمغرب ..." فأين البلد من روح هذا الخطاب ..؟ وأين أنتم منه أيضا ..؟ ! هل تعتبر محاكمة زملاء لكم في المهنة، تستجيب إلى ما أشير إليه أعلاه ؟ لماذا تدوس عجلة القضاء قانون الصحافة وتستبدله بالقانون الجنائي، رغم أن القضية تكون فقط ، قضية نشر لا غير ؟ أليس هذا اعتداء خطير على حرية الصحافة، التي يريدون إخراس صوتها، ألم يكن من واجب الدولة الملتزمة بالثقافة المنفتحة والمتشبثة بالديمقراطية، حماية حرية الكلام، وحرية الصحافة، وحرية العقيدة، وحرية الارتباط والتجمع، وحرية مسيرات الاحتجاج السلمية، وكذا حرية الإضراب..؟ وفرض المساواة، وتكافؤ الفرص .. أليس هذا هو الهدف من التغيير والإصلاح المرتقبين ؟

وبكل فخر واعتزاز مرة أخرى، أجبت شيطان الكتابة العنيد بقولي: تعودنا نحن معشر الصحافيين، أن نتلقى من حين لآخر بعض الصفعات، التي يريد أصحابها ثنينا بها عن سبر أغوار عوالم فضائحهم، وفتح ملفات الفساد المستشري في هذا المجتمع، ولما كان من الطبيعي - بالنسبة للإنسان السوي- أن يتقبل الشوك حبا في الورد، لهذا  تجدنا نتقبل كل ما يصنع لنا خصيصا، للنيل منا ظلما وعدوانا، وذلك في سبيل إطلاق صوتنا مدويا  من أجل فضح كل فعل يستحق الفضح، وهذه بكل بساطة تعد ضريبة مواقفنا الشجاعة، ندفعها طائعين، كما دفعها بالأمس أسلافنا، وهذا أيضا انطلاقا من قناعتنا بأهمية الإعلام، وأداء للأمانة الملقاة على عاتقنا، ورغبة منا في الإسهام في خدمة قضايانا الوطنية، والتزاما بمشاركة المواطن المغربي في حمل همومه، ووضع حد للضالعين في علم طمس وتشويه الحقائق، الذين يسيؤون - بتحاملهم على خدام مهنة المتاعب - لحرية الصحافة، التي تدافع عن أمجاد ألأمة، والتي تقاوم الفساد بكل ما أوتيت من قوة ونفوذ، وتدعو إلى التغيير ..  وتسعى دائما إلى كشف الحقائق بالبراهين الدامغة، ولم يقف الشيطان المريد عند حده، بل تمادى في حثي على أن الأمور لا تطمئن .. ووضعني أمام الأمر الواقع بوضعه أسئلة مستفزة، حصرها في الآتي: مادور النقابات والرابطات والتنسيقيات، والجمعيات المعنية بالهم الصحفي، وكذا هيئة الناشرين بالمغرب ؟ لماذا تختار هذه المؤسسات السكوت، لماذا لم تنتفض لما تظلم أمة الصحافيين، لماذا لم تهب للدفاع عن زميل في محنة، وتكتفي فقط بالشجب والتنديد من بعيد ؟ لماذا ولماذا ..؟

وهنا لم أجد بدا من الاعتراف بأن صورة الساحة الصحافية اليوم قاتمة، إن لم تكن سوداوية حالكة الظلام، وقد يحسبني بعضهم متشائما أكثر من اللازم، لما أقول إننا ذاهبون إلى الهاوية والضياع المحتوم، لكنها الحقيقة والمصير، الذي سيكون حليفنا ما لم ننهض لإيقاف معاول الهدم والتدمير، وكل ما نخشاه هو أن نستيقظ من نومنا في يوم من الأيام ونجد أن المغرب أصبح بدون صحافة، إن تحققت فعلا أماني النيابات العامة، التي تلتمس في كل مرة في مرافعاتها أثناء المحاكمات الفريدة من نوعها،  منع زميل أو أكثر من مزاولة الصحافة في المؤسسات الإعلامية الصادرة في المغرب، كما منع بالأمس القريب، الصحافي علي المرابط من الكتابة بطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة، وغيره كثيرون  .. وبهذا نكون محرومين من الوصول إلى تحسين أوضاعنا، وتطوير أساليب تدارسنا للقضايا التي تهم مصيرنا.

 ولم يكن مانبهني إليه الشيطان الذي صارعته، إلا دليلا قاطعا على كل ما سبقت الإشارة إليه، بحيث خلال كل محاكمة وأخرى يصفعنا الواقع .. ويفاجئنا العدل، الذي هو أساس الملك، وليلقننا درسا جديدا مخالفا للمفهوم الجديد للسلطة، الذي أراد ترسيخه قائد البلاد جلالة الملك محمد السادس، وفي رأينا، وهكذا يكون مازال أمامنا نصف قرن آخر من الكتابة، أو أكثر، إذا أمد اللـه في عمر أحدنا .. وإذا سمح لنا بذلك الذين يريدون تكميم الأفواه، وربما لا نجد إلا الصبر والانتظار .. واللبيب بالإشارة يفهم ..!


الثلاثاء، 22 يناير، 2013


على هامش الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف



يأتي علينا شهر ربيع الأول وهو يحمل معه معاني الذكرى العطرة لمولد سيد الخلق، وهادي البشرية إلى الطريق السوي، معلمنا وقائدنا ونور هويتنا محمد بن عبد اللـه صلى اللـه عليه وسلم إلى يوم الدين .. فسيرة هذا النبي الكريم معين لاينضب، وزاد لمن أراد أن يتزود بالتقوى ليسعد في الدنيا والآخرة .. ولهذا، فانه من اللازم على كل مؤمن تصديق النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.. ومن المعلوم، أنه لما بعث اللـه النبي كان يعلم أنه سينير الطريق للأمة، ويسلك بها سبيل الهداية، وهكذا كان الرسول الأعظم القدوة الصالحة للمسلمين على مر الأجيال، فبهداه تهتدي البشرية في كل زمان ومكان، فهو السراج المنير .. وإن اللـه جعل في شخصيته الكريمة الصورة الكاملة والواضحة لمنهج الإسلام وتعاليم القرآن، حيث قال في حقه ربنا جلت قدرته: " إنك لعلى خلق عظيم"، وبالرجوع إلى الآية الكريمة، يتضح أن ذكر سيد البشرية في مجالس السوء والسفاح وجلسات ( الشطيح والرديح ) شيء لايقوى على فعله إلا كل آثم، لأن الإقدام على مثل هذا الفعل يعد إساءة لرسولنا الكريم، وهذا ما يجرنا إلى ذكر إساءات أخرى ومن نوع آخر، تصدر عن بعض المكونين لمجالس الغناء والترفيه .. والسهرات الماجنة، وأماكن اللهو، وأقصد هنا المغنين والمغنيات (المسلمين) ياحسرة، والمغاربة بالضبط، الذين بلا حياء يسمحون لأنفسهم خلال السهرات، وخصوصا تلك  التي تبث على شاشتي تلفزتينا المغربيتين (الأولى والثانية)، وكذا في حفلات الأعراس، حيث يدرج خلالها اسم سيد العالمين، متغنين به ضمن كلامهم الفاحش .. الزنقوي، الذي يخدش الحياء، وما يرافقه من حركات وإيحاءات مشبوهة .. غير آبهين ما لهذا الاسم العظيم من شأن، وما له من فضل على البشرية، وما يلزم من تقدير لشخص النبي صلاة اللـه وسلامه عليه، بحيث يطلقون العنان لألسنتهم وهم يتفوهون بالكلام الرخيص، ليصدح بالتكبير والصلاة والسلام على النبي، كقولهم مثلا، ( اللـه أكبر .. الصلاة والسلام على رسول اللـه .. اللـه مع الجاه العالي، ويتبعونها بالزغاريد وهلم جرا ..!) .

وبذكر هذا النوع  من الإساءة وغيره في حق النبي، يتبادر إلى الذهن ما لقيه صلى اللـه عليه وسلم منذ البدايات الأولى لعهد النبوة، حيث أسيء إليه من طرف قومه، لما لم يمتثلوا لدعوته إليهم للدخول في دين الإسلام .. كما أنهم نعتوه بشتى النعوت المشينة، وكذبوا نبوته، وإنه لم تكن هذه الإساءة مقتصرة على تلك السنين الغابرة فحسب، بل لازالت سارية المفعول حتى خلال عصرنا هذا، كما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه، ولا يزال العباد يسيؤون إليه، - وما أكثرهم - وعلى سبيل المثال، حين يذكر اسمه عليه السلام يبخل الناس بالصلاة عليه، رغم أن اللـه تعالى صلى عليه قبل كل من في هذا الكون، بقوله سبحانه: "إن اللـه وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"، ثم تتواصل الحملات المسيئة لخاتم النبيئين والمرسلين ولكافة المسلمين ومقدساتهم، من طرف رجال الدين الذين تشتم من كتاباتهم روائح الحقد على هذا الدين الحنيف.

وفي أوج هذه الحرب الهوجاء المعلنة على الإسلام من طرف الغربيين، وبكل وقاحة، أطلقت بعض القنوات التلفزية والجرائد، شائعات مفادها أن المسلمين أصبحوا مصدر تهديد للإنسانية جمعاء، وكلنا يذكر المثال الصارخ للسلوك المشين الذي أقدمت عليه خلال شهر شتنبر من سنة 2005، الجريدة الدانمركية، التي كانت وراء الضجة الكبرى، المتمثلة في نشرها على صفحاتها الصور الكاريكاتورية، وهي تسخر من الرسول الكريم صلى اللـه عليه وسلم، ولم يمهلوا السفلة .. لم يمهلوا المسلمين الوقت الكافي للخروج من مسلسل هذه الإساءة التي فجرتها الجريدة المذكروة، والتي أساءت إلى مشاعر المسلمين جميعهم، حتى أعادت الكرة عدد من الصحف، بحيث نشرت من جديد يوم 14 فبراير 2008، تلك الرسوم، ناهيكم عن ذلك الذي أطل على العالم أجمع من خلال قناة إسرائيلية (مشارك) في أحد برامجها وهو يشير إلى حذائه الذي كان في رجليه ويقول بكل وقاحة، ودون أن تحمر وجنتيه من الخجل : هذا محمد، وقد تتالت الإساءات، ولما تكررت هذه السياسة التي لاتليق بمقام النبي الكريم، انتفض المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وتحركوا لنصرة المصطفى عليه أزكى السلام، ولكن سرعان ما لبث أن خبت شعلة قلوب الذين تحمسوا لهذه النصرة.

لكن الشيء الذي يثير الإعجاب، ويجب الوقوف عنده قليلا قصد التحليل، هو كيف للمسلمين الذين ينتفضوا ويقيمون الأرض ولا يقعدونها، ثم يرغدون ويزبدون بمجرد ملاحظتهم أي تطاول يصدر من بعض الغربيين على شخص الرسول الكريم عليه الصلاة، وينتصبون مدافعين عنه، وهؤلاء في نفس الوقت تجدهم لايعيرون لهذا الرسول ولا لدينه ولا حتى لربه العظيم أي اعتبار أو احترام أو حب .. هذا الحب المفروض توفره في كل المسلمين .. وخصوصا إذا علمنا أن محبة المؤمنين لنبيهم عليه الصلاة والسلام، تتمثل في دراسة سيرته دراسة واعية، والاهتداء بهديه، والعمل بسنته والدعاء بدعوته .. وأقف هنا وقفة تأمل واندهاش حيال تصرفاتهم هاته، التي تتناقض وما يبدونه من أوجه دفاع على الرسول، بحيث أن في واقع الأمر تجد أن بعضهم يظهر على ألسنتهم منكر كبير، ويتمثل ذلك في إيذاء الرسول، بل سب الدين

والملة، الفعل الذي يعد من أكبر الكبائر و من أعظم المنكرات .. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه في غالب الأحيان إلى سب اللـه تعالى، وهذه أمور من أعظم نواقض الإسلام الذي يدعونه بأفواههم، والعجب العجاب أنه لا من يحرك ساكنا، و لا من ينهي عن منكر .. وأخيرا، وفي خضم هذه الحملات الشنعاء، وهذه الانتفاضات الباهتة يجب أن ننصر رسولنا، ويجب أن تكون نصرته دائمة، لنحظى بشفاعته يوم القيامة، لأن سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي الرسول الكريم، صلوات اللـه عليه وسلامه، كما لا يجب أن ننسى مصير الذين أساؤوا إليه، وسخروا منه ومن رسالته، وهم الذين قال فيهم ربنا عز وجل: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) صدق اللـه العظيم.

الأحد، 9 سبتمبر، 2012


أي عفريت زود الرباح بالنبأ اليقين ..؟ 



لا يمكن لمغربي واحد لديه الحد الأدنى من الرشد أن يتجاهل قضية حوادث السير بالمغرب .. الحرب التي تحصد العديد من أرواح الأبرياء كل يوم وليلة، بل وكل لحظة ولحظة .. أجل، إن هذه حقيقة لايمكن إنكارها، وكذلك لايمكن تجاهل عدد الحملات المنسباتية للتحسيس بأخطار الحوادث، التي نظمت ولازالت تنظم -في ظل وضعية مزرية تعرفها البنية التحتية لطرقنا- من أجل القضاء على هذه المعضلة، التي تخلف سنويا العديد من القتلى، وتكون السبب في ازدياد عدد الأيتام والأرامل، ناهيك عن ما يترتب عنها من أعداد هائلة من الجرحى وذوي العاهات المستديمة، ولكن للأسف الشديد لم يكتب لها النجاح، وهذا راجع إلى عدة جوانب، منها على سبيل المثال، وعلى رأس اللائحة .. حالة الطرق التي أصبح التنقل فيها شبه مستحيل، والتي تعد السبب الرئيسي في خلق هذه الحوادث، ولحد الساعة لا أحد يريد الاعتراف بذلك .. إضافة إلى ذلك الحالة الميكانيكية لوسائل النقل، ثم هناك عنصرا مساهما في كل الحوادث، وهو جشع أرباب وسائل النقل، ويتوج ذلك، الوهم الذي يسكن خيال بعضهم، والمتمثل في أن العنصر البشري لا يحترم قانون السير، والذي دائما تلقى عليه لومة السرعة وعدم الانتباه، وهذه الجوانب مجتمعة دفعت الدولة في شخص وزارة النقل والتجهيز في وقت سابق  للبحث عن الحل الناجع للقضاء على هذه الآفة الخطيرة، التي تهدد المجتمع في أعز ما يملك .. وقد سطرت استراتيجية جديدة أملا في وضع حد لهذه الحرب الضروس، وهذا أمر صفق له الجميع وباركه، ولكن الجدل الواسع الذي أثاره مشروع السير والجولان - الذي فصل على غير مقاس المغاربة - وخضع بسرعة قياسية للدراسة في قبة البرلمان دون علم المعنيين بالأمر، قلت الجدل الذي أثاره المشروع في مختلف أوساط المجتمع، سياسية .. جمعوية .. ومهنية، والإضرابات التي اتخذت في حينه من طرف المهنيين حول البنود المشددة الخاصة بردع المخالفين (المتهورين) الذي غلبت عليه روح الزجر جعلنا نتساءل في حينه، لماذا ابتكار سبل تشديد العقوبات على السائقين، دون النظر إلى المجال الطرقي الذي سبق وقلت بأنه هو السبب الرئيسي والمساهم الأول في وقوع هذه الحوادث المميتة..؟ بدل توجيه اللوم فقط إلى الكائن البشري الذي هو في نظر الجميع المرتكب للأخطاء التي تترتب عنها الحوادث .. وهو المسؤول المباشر في إزهاق أرواح العباد التي حرم اللـه قتلها إلا بالحق، بينما تحاول بعض الجهات إبعاد مسؤولية الأخطاء عن المسؤولين .. لماذا لانتحلى بالشجاعة ونقف وقفة رجل واحد ونلقي نظرة شاملة على طرقنا، وخاصة تلك التي تكون في غالب الأحيان مسرحا لهذه الحوادث، التي كما هو معلوم تكبد المغرب خسائر بشرية ومادية فادحة، والتي لها النصيب الأوفر في إلحاق الخسائر بكل وسائل النقل على اختلاف أنواعها والأعطاب التي تساعد من جهتها على وقوع الحوادث، والكل يعرف لا محالة أن هذا ناتج عن سياسة الترقيع وطريقة "اقضي باللي كاين" ويتمثل ذلك في الحفر المتواجدة هنا وهناك حتى أصبح الوضع يعرف ب. بين حفرة وحفرة حفرة..! زد على ذلك ظاهرة (Dos d'Anes) الموضة الجديدة التي لم تزد أزقتنا وشوارعنا إلا تشوها، وساهمت من جهتها بشكل كبير في إلحاق الضرر بآليات المواطنين، وتمكنت من لعب الدور الكبير في عرقلة حركة المرور بدل تسهيله والعمل على انخفاض نسبة حوادث السير، والتي صرفت عليها ميزانية ضخمة من مال الشعب، وكان السيد وزير النقل والتجهيز السابق "كريم غلاب" قد أقر بعدم قانونيتها في إحدى لقاءاته .. ولكن بقيت دار لقمان على حالها.

وإن ما دفعني إلى إعادة بعض مواقف التاريخ الذي ولى، هي الفاجعة الأليمة التي هزت مشاعر المغاربة، وأبكت الجميع، وخلفت وراءها عدد هائل من الأيتام والأرامل والثكالى، تلك الحادثة التي شهدتها ضواحي الجماعة القروية زرقطن التابعة لقيادة تواما إقليم الحوز على الطريق الوطنية رقم 9 الرابطة بين زاكورة ومراكش، صباح الثلاثاء 04 شتنبر الجاري، حوالي الساعة الواحدة والنصف صباحا، وقد شدني، بل وشجعني على تناول هذا الموضوع، تصريح وزير النقل والتجهيز، الذي لم أعرف من أي مصادر استقى معلوماته الدقيقة عن الحادثة، وعن وظروف وقوعها وهو الذي يقيم في الرباط، بعيدا بعدا كبيرا عن مكان الحادثة، بحيث تفضل وحمل سيادته مسؤولية الوقوع، -سيرا على سنة الأولين- إلى العياء الذي أصاب السائق، الذي توفاه الـلـه ضمن المتوفين، وما قام به من تجاوز معيب، وإلى السرعة المفرطة، وكأن السيد الرباح كان على علم مسبق بوقوع الحادثة، أو كان يراقب طريق تيشكا عن بعد بإحدى كاميرات وزارة النقل والتجهيز التي صرف عليها مال كثير دون جدوى، أو جاءه عفريت من عفاريت سيدنا سليمان عليه السلام بالنبأ اليقين، الشيء الذي ساعده على إصدار حكمه، وهو الذي كان الأحرى به أن يحقق مع من بيدهم زمام الأمور والقائمين على شؤون الطرق بمدننا وقرانا، لتحديد المسؤولية، ودفع من ثبت تورطهم في الواقعة إلى تقديم استقالتهم - على رأي رئيس الحكومة - ثمنا لعدم فعالية الإجراءات العشوائية التي لم تف بالمطلوب للحد من حدوث كوارث الطرق ...!

والأسئلة التي تفرض نفسها في مثل هذه الحادثة المروعة، واللغز الذي استعصى على أولي الألباب فهمه، هو كيف تمكنت حافلة "أهلا وسهلا" من الوصول إلى مكان الحادث وهي محملة بأكثر من طاقتها الاستيعابية، مع العلم أن الطريق الممتدة من زاكورة حتى جماعة تاوما تعرف تواجد العديد من نقط التفتيش، أليس هذا إهمال من طرف جهات المراقبة، بل مساهمة في تعريض أرواح المواطنين إلى الموت ..؟ إذن لا داعي لتغطية الشمس بالغربال، لأن الأمور بادية للعيان .. والمسؤولية هنا تتحملها الجهات المسؤولة رسميا على الشأن الطرقي بالبلاد، التي لم تتخذ الإجراءات اللازمة التي يمكنها أن تعمل في الوقت المناسب على تقويم سلوك كل من السائقين والمسؤولين على حد السواء، وتحد من جشع أرباب وسائل النقل الذين لا يحترمون دفاتر التحملات .. ودفعهم عن طواعية إلى احترام قانون السير، واحترام حق الحياة، وإعفاء المجتمع من ويلات هذه الحرب التي لا تبقي ولا تذر.

السبت، 1 سبتمبر، 2012


من عجائب مقبرة الغفران
في هذا الزمان ...!

  

لا يجادل عاقلان في أن خمسة مفاتيح تخص الغيب، وهي لم تؤت لغير اللـه، ولا يعلم بها أي ملك منزل أو نبي مرسل، ومنها ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: " وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير"  وهذا ينبئنا بأنه ليس بإمكان الإنسان أن يعلم موقع وفاته، إذن هي خمسة أشياء استأثر اللـه وحده بعلمها، وليس لأي مخلوق القدرة على الاطلاع عليها، ولا محالة أن الإنسان السوي الذي يعرف خالقه، يعرف جيدا أن اللـه وحده هو الذي يعلم الغيب، ولكن من ما يلفت النظر  هو أننا نلاحظ  وجود بعض الناس (سامحهم اللـه) بين ظهرانينا ظلوا طريق الحق، وفقدوا البوصلة .. بوصلة الأخلاق التي هي النبراس الذي يضيء السبل .. وأصبحوا يأتون بتصرفات غير مسؤولة، وذلك من ضعف هممهم، ومن ما يصيبهم من انهزام نفسي أمام إغراءات الحياة المادية، الشيء الذي يدفعهم إلى الانسياق وراء البدع المحدثة التي لا أصل لها بالدين الإسلامي الحنيف، ولا بسنة الرسول الأعظم صلوات اللـه وسلامه عليه، ولكنه إلى التباهي والتفاخر أقرب .. ومن نوادر هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، أن حب المظاهر والتميز أعمى بصرهم وبصيرتهم، وأثر فيهم بقدر أصبحوا معه لا يفرقون بين الصالح والطالح، وهكذا أصبح تنافسهم تنافسا شديدا على شراء بقع أرضية، ليس للسكن المألوف بطبيعة الحال، وإنما لاتخاذها  كمقابر صغيرة لتكون لهم ولأفراد عائلاتهم مكانا مضمونا للدفن، ضاربين عرض الحائط بما جاء في قول عالم الغيب والشهادة، الذي أخبرنا في محكم كتابه العزيز - كما سبقت الإشارة إلى ذلك- بأن النفس لا تعلم بأي أرض تموت، ما يفسر أن الإنسان لا علم له بتاتا بموعد وفاته، ولا بمكان دفنه .. وهنا أجد أن شيئا ما يدفعني لطرح السؤال التالي: لما هي الأمور تصير على هذا المنوال، وهذا هو الصحيح طبعا .. فلماذا إذن حجز مساحات داخل المقابر من أجل تشييد أماكن خاصة للدفن والعمل بجهد وكد على زخرفتها، بداية من تجهيزها بكراسي للراحة، ومرورا بوضع مجموعة رائعة من المزهريات على النوافذ، وانتهاء بالتفنن في اختيار أنواع الصباغات والألوان حتى أصبحت مناظر بعضها الرائعة تضاهي أفخم مساكن مدن الأحياء الذين لا يزالون يرزقون ..؟ الواقع يجيب: إن رغبة أصحاب هذه المقابر الحثيثة على إظهار غناهم والرفاهية التي يعيشون فيها في هذه الدنيا الفانية، ومدى حبهم للنعمة التي لا يطيقون فراقها حتى وهم تحت الثرى، مثلهم في ذلك مثل الفراعنة، الذين كانوا يحرصون على دفن ممتلكاتهم معهم في القبور ليستعملوها في الحياة الأخرى - حسب ما كانوا يزعمون- هذه العوامل مجتمعة هي التي زادت من  حرص سادة عصرنا وأثرياؤه على هذا النوع من التنافس في البناء والتشييد، فذلك أمر تعوده الناس، لكن الغريب أن يتفاقم هذا الداء ويصبح وحده المسيطر على النفوس، وخصوصا تلك المظلمة، دون أن يترك لها وقتا للتفكير بعواقب ذلك وخطورته، وقد أصاب أحد الظرفاء لما علق قائلا: ( هذا الناس ما خاصهم غير يديرو لانتيرفون في أبواب مقابرهم) ومن جهتي، يمكنني أن أضع أفعال هؤلاء في خانة (البريستيج) ليس إلا ..! وأريد هنا أن أوكد - وأنا مضطر لتكرار ما سبق - أن من أسباب هذا التهافت وهذا الإصرار على التسابق، بل و من أعظمها (الأسباب) الجهل والابتعاد عن مراقبة اللـه .. وقديما فقد أصاب أحد كتاب النصارى المسمى"كوندي" الذي قال: "العرب هووا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها"، هذه إذن مقولة أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن شيئا ما في غير محله.

وما يثير الاستغراب أيضا ويبعث على الضحك رغم كثرة الهم، فإن أصحاب هذه البقع أو المقابر الفارهة لم يكتفوا فقط بالبناء والزخرفة، (اللهم لا حسد) بل تجاوزت أفعالهم ذلك، وابتكروا أشياء غريبة عن ديننا، مما يساهم دون أدنى شك في انتشار الفتنة، التي تجر أخواتها .. وهكذا، وفضلا عن الزخرفة والتزيين فإنهم عمدوا إلى كتابة أسمائهم على واجهات (مقبراتهم) بحروف مزركشة وبالضبط باللغة الفرنسية، مع العلم أن المقبرة هي خاصة  بموتى المسلمين ولا تطؤها أرجل غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، فمن يا ترى يستطيع تفسير هذا التصرف الذي يسمح لهؤلاء باستعمال اللغة الفرنسية داخل مقابر المسلمين..؟! وما المغزى والغاية من هذه الأفعال التي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها لا تليق بسمعة بلد يدين بدين الإسلام، هذه دون أدنى شك هي أصعب الأسئلة التي قد تتبادر إلى أذهان كل العقلاء..؟

وما دام أن الشيء بالشيء يذكر .. وأنا أتهيؤ لتناول هذا الموضوع، فقد حضرني مثل روسي يقول : "الموت
لا يكلف شيئا" نعم، هذا عندهم .. ولكن عندنا وفي أيامنا هذه التي تعرف الكثير من التناقضات، ونظرا لما آلت إليه أوضاع المسلمين عامة والمغاربة على وجه الخصوص، أجد أن مثل الروس لا ينطبق علينا في شيء، بحيث خلافا لما كان سائدا في التاريخ السابق، نجد أن جل الذين أتاهم اللـه من فضله لا يكفون عن التباهي في ابتداع أشياء ما أنزل اللـه بها من سلطان، والإسلام بريء منها براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، بحيث تناسلت عادات كثيرة ومتعددة أصبحت تواكب حدث وفاة شخص ما، وبخاصة من ذوي الجاه والمال، لأنه (الحدث) أصبح يكتسي طابعا خاصا بالنسبة للصدقة التي تُعرف عند الجميع "بعشاء الميت" الذي كان يقتصر فقط على إعداد صحون الكسكس وينتهي الأمر، لكن اليوم، نجد أن ذلك العهد قد ولى، وتلك العادات قد اندثرت في نظرهم، لأن أمر الحدث المذكور أصبح يعهد به لممول الحفلات .. وقد تمارس خلاله عدة طقوس هي بعيدة كل البعد عن القيم الإسلامية الموصي بها أصلا، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الدفن، التي أصبحت تكلف شراء مساحات من ألأراضي الفارغة قصد تشييد مدافن جماعية، ولهذا أفدت بأن المثل الروسي لا ينطبق علينا، والموت عندنا أصبح يكلف كثيرا .. ! وفي هذا السياق .. يذهب بعض المتخصصين في علم النفس إلى القول: " بأن أسباب هذا السلوك اللامسؤول والمعادي للمجتمع، راجعة إلى شخصية الأفراد الذين يقومون بتلك الأعمال التي لا تربطها بالدين الإسلامي أي رابطة، والغير موروثة عن الآباء ولا الأجداد، وكذا تطور نمط عيش كل واحد منهم وما يرفل فيه من نعيم وخير ورفاهية، وكذلك مدى ضعف إيمانهم وارتباطهم الديني، ومستوياتهم الثقافية وطبيعة أمزجتهم ".

هذا وجه من وجوه عجائب وغرائب هذه المقبرة، أما الوضع المقلق والمزعج أكثر، فهو ما حصل ذات مرة بين جدران نفس المقبرة، وتحت أنظار خطيب الجمعة، الذي حكى من أجل لفت الأنظار، حيث قال: "بينما هو جالس أمام باب مسجد المقبرة، إذ يفاجئ بجنازة رجل يرافقها مصور ب. "كاميرا الفيديو"، وهو منهمك (المصور) في توثيق مسيرة الموكب الجنائزي .. ولما تتبع خطوات الموكب –على حد قول الخطيب- وجد أن المصور لم يكتف بذلك فحسب، بل تهوره بلغ مداه وتجاوز كل الحدود، بحيث عمل أيضا على أخذ صور وبطريقة مبالغ فيها للحظات الدفن، ويضيف الخطيب: فقد أصابني حينها الذهول، وعندما توجهت إلى ابن الهالك مستفسرا عن سر هذا التقليد الغريب، كان جوابه أغرب من الفعل، بحيث رد قائلا أن ذلك يدخل في باب حفظ ذكرى والده، وعلى إثر هذا الجواب النادر الذي ما سمعت مثله من قبل، لم أملك إلا ترديد حسبي اللـه ونعم الوكيل، وإنا للـه وإنا إليه راجعون .."انتهت شهادة الخطيب" .. وهكذا، وبعد وقفة طويلة أمام صفحات تاريخنا الإسلامي، وقراءة متأنية لأهمها، يتبادر للذهن السؤال الحارق الذي لا مفر منه، هل كان أجدادنا القدامى يأتون بمثل هذه الأفعال المشينة الفريدة من نوعها، التي تستفز المسلمين ولا تحترم مشاعرهم .. الأفعال التي لا تمت للإسلام ولا لعاداتنا العريقة بصلة - سواء تعلق الأمر بالمبالغة في ممارسة طقوس "عشاء الميت" وما أضحى يعرفه من مصاريف تثقل كاهل الأسرة بتكاليف لا مبرر لها، أو كتابة أسماء الموتى بلغة غير لغة القرآن، أو توثيق مراسم الدفن أو .. أو ..-، وهل بمخالفة أوامر اللـه عز جلاله يمكننا حفظ ذكرى موتانا ..؟  

وليس ما سبقت الإشارة إليه هو الذي يقع فحسب، بل فإن هناك ظاهرة أخرى .. ظاهرة أصبحت أشد وأقبح،  وهي  بمثابة نقطة سوداء في سجل هذه المقبرة، وقد لا تستثنى منها أي مقبرة على طول وعرض البلاد، وهي في نفس الوقت تستوجب الإدانة .. لأنها لا تقل سوء عن ما سبق ذكره، أردت أن أختم بها مقالي هذا، الذي بالرغم من أنه طويل نوعا ما، فإنه قد يفيد بعضهم ويساهم بعض الشيء في عودتهم إلى جادة الصواب .. قلت ظاهرة أخرى، أجل، إنها تتمثل في الفوضى العارمة التي لا مثيل لها والتي تعرفها رحاب المقبرة في غياب سلطات الردع، أبطالها (الفُقهاء) الذين يتسابقون للقراءة على القبور، الذين قد تصل بهم الوقاحة، إلى حد التشابك بالأيدي مع بعضهم البعض في غالب الأحيان، ودون أن تحمر خدودهم من الخجل وهم يتلفظون بكلام بذيء يندى له الجبين على مرأى ومسمع من الزوار، وذلك فقط من أجل الظفر "بزائر" يجنون من ورائه  بعض الدريهمات، غير مبالين بقبور المسلمين التي يدوسونها بأرجلهم ويعملون على بعثرتها، فضلا على أنهم بأعمالهم هذه يعمدون إلى المتاجرة في كلام اللـه، الذي قال فيه ربنا تبارك و تعالى: "و لا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا"، وهذا كله يحدث  دون استحياء من اللـه، ولا تقديرا  لما يحملونه في صدورهم من ذكر حكيم، -إن هم فعلا يحملون شيئا- والغريب في الأمر، فكثيرا ما قيل  - والعهدة على الراوي- أن جل هؤلاء أشباه ( الطُّلْبة ) يكونون أحيانا في حالة سكر، وهذا هو الأمر الذي يدفعهم إلى التصرف بطرق ليست من شيم حملة القرآن.

 ومن أجل ذلك كله .. جاءت هذه الإشارة المتواضعة قياما بواجب النصيحة، عملا بقول رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، الذي مفاده "الدين النصيحة"، وبواجب التحذير أيضا من ما تجره بعض الأفعال المشينة من فتن ومفاسد وانحرافات في أخلاق المجتمع، ويبقى الأعجب من ذلك، بل والأخطر أن المسؤولين، سواء منهم المكلفون بإدارة المقبرة أو المقاول، لا يعيرون هذا الجانب أي اعتبار، همهم الوحيد هو جلب الأموال، مكتفين بالوقوف صامتين أمام الظاهرة ويشاركهم صمتهم عامة الناس الذين يحجون إلى المقبرة من أجل الزيارة، الذين لا هُم عملوا على نهي أو تحسيس كل من له يد في هذه الممارسات وتنبيهه إلى أن ما يقوم به هو عمل غير معقول، وغير مقبول البتة، وسكوتهم هذا يعد تشجيعا للعابثين والمخربين الذين يختبؤون في جلابيب (الفُقهاء) الأتقياء ليتمادوا في نشر الفساد والرذيلة، لا مانع من قول كل شيء بات عجيبا في هذا العالم ..! ولا يسعني وأنا أحس بكم هائل من الغيظ من قبح الأفعال والمشاهد التي ذكرتها أعلاه ..إلا أن أختم ب. متى تصحو الضمائر ..؟






الثلاثاء، 28 أغسطس، 2012


الشاعر الغنائي عمر التلباني يتحدى الألم ...!


قال قيس المجنون للعاقلة ليلى:" أنا قيس قبل الزواج، وقيس بعد الزواج ..
لن أتغير ولن أتحول"
وهكذا يريد أن يقول الشاعر الغنائي عمر التلباني .. أو بالأحرى فقد قال: "أنا هكذا وهكذا أنا، لن أتغير .. لن أقلع عن عادتي .. ولن أتخلى عن الكتابة، لأنها بالنسبة لي هي معنى الوجود"، هذا هو عمر التلباني، المتسلح بالقلم والعلم والأمل .. الذي اشتهر بقدرته على توليد المعاني وابتكار الصور المعبرة .. النبع الفياض من العطاء، الذي أبان عن عظمة القدرة على التمييز التي منحه إياها اللـه، والتي ساعدته على  تفتق موهبته مبكرا، كما سمحت له إعطاء شيء غير مألوف للأغنية.. قلما جادت به أقلام الآخرين، بحيث سرعان ما فرض قلمه على الميدان الفني، وبخاصة في عصر عرف بانهيار الأخلاق، وهبوط الذوق.. الشاعر الغنائي المتميز، صاحب المشوار الإبداعي الطويل والحافل بالمعاناة والعطاء، الذي يشهد له التاريخ الفني المغربي، بأنه يؤمن إيمانا راسخا بأن من شروط النجاح قدرة الفنان على إيصال رسالته إلى قلوب الناس في قالب فني ساحر، يؤجج الأحاسيس والمشاعر، ويجعل المتلقين يقبلون هذه الرسالة ويعملون على احترامها، لأن الفن في نظره ليس هو ذلك الهبوط الأخلاقي الذي نراه في بعض كلمات أغانينا اليوم، بل الفن الحقيقي هو كيفية توصيل الرسالة للمجتمع بصورة تحقق التأثير المطلوب في المتلقي، وخير مثال على ذلك ما نجده في كل أعمال شاعرنا الموهوب هذا، الذي يسافر بالأغنية المغربية بعيدا عبر كلام موزون وهادف .. حتى أصبح يتميز بلون خاص في كتابة الشعر الغنائي، مجددا بذلك نمط هذه الكتابة بنوع حديث لم تكن الأذن المغربية تعهده من قبل، ويشمل هذا التجديد كل الأغاني التي خطتها أنامله، التي أخذت بعدا آخر غير ذلك المألوف من لدن بقية الشعراء الغنائيين المغاربة، والتي أضافت شيئا متميزا للساحة الغنائية، وهذا لم يكن إلا تأكيداً جديداً على قدرته النادرة في التمسك بالفن الراقي، الذي يترك بصمات واضحة في الذوق الفني العام، وهكذا فقد ساهم في تغيير مسارات العديد من الفنانين، الذين أصبحوا أسماء لامعة في الساحة الفنية المغربية، الشيء الذي أكسبه محبة الجماهير المغربية، التي لا تنكر ما له من فضل على الكثير من فناني الطرب والغناء بالمغرب، نظرا لانفراده في انتقاء المواضيع المواكبة لتطورات ومتغيرات العصر الحديث، التي تتوفر فيها أصدق صور الحياة  وأدق المعاني التي يترجم من خلالها ما يختلج في قلبه من مشاعر وأحاسيس، وهذا بالضبط هو سر خلود أعماله الناجحة، التي بدون شك أنها لاقت صدى طيبا من
لدن المتلقي، سواء داخل الوطن أوخارجه.

و لا أفشي سرا إن قلت، قد أدهشني مؤخرا الشاعر الغنائي عمر التلباني أكثر بجرأته وتحديه للمرض، الذي آلم به خلال الأيام القليلة الماضية، والذي لم يستطع (المرض) منعه من حنينه إلى الكتابة، التي قال عنها أنها بالنسبة له هي معنى الوجود، ورغم أنه لازال ينتظر موعدا مع عملية جراحية في الآتي من الأيام، فإنه لم يبد قلقه حيال المرض إطلاقا.. تاركا كما يقول دائما الأمر للـه، لأن عزة نفسه وتعففه تمنعه من طلب المساعدة والرعاية الصحية التي  يحتاجها، كما أنها أيضا تمنعه من طلب العون ومد اليد من أجل الاستجداء، وتدفعه إلى الإصرار على بذل الجهد وتكثيف الجهود لتحقيق النجاح ، والدليل أنه في عز وعكته الصحية، دفعه حبه لعمله الفني للتغلب على آلامه، بحيث لم يبخل على رفيق دربه في النجاح، الموسيقار عبد الوهاب الدكالي، لما لجأ إليه طالبا منه إنجاز أغنية جديدة، إذ سارع بتأليف أغنية يتعلق موضوعها أساسا بالتحرش الجنسي، الذي يعتبر ظاهرة  مشينة بكل المقاييس، والتي انتشرت في الآونة الأخيرة مشاهدها في مختلف الأماكن .. الإدارات الحكومية  والخاصة على حد سواء .. الشوارع في واضحة النهار .. في الأسواق ووسائل النقل وغيرها من المرافق العمومية الأخرى، وقد أعطى الشاعر التلباني تعريفا له، (التحرش الجنسي) بقالب فني جميل، وصور من خلال الكلمات الهادفة بشكل عام مختلف حالاته، التي تترتب عن انهيار الأخلاق والقيم التي تنبني بها الحضارات، محاولا قدر المستطاع معالجة الوضع، وداعيا إلى التزام العفة والابتعاد عن الانحراف، وعن الأفعال التي تتنافى مع قيم ديننا الحنيف.
وفي ختام هذه الإشارة القصيرة، أتمنى أن أكون قد وفيت شاعرنا الكبير، ولو جزء قليل مما يستحق، وداعيا له بهذه المناسبة بالشفاء العاجل، حتى يظل ذاك الهرم الشامخ في مجال الشعر الغنائي المغربي .. ليتحفنا جميعا بمزيد من قصائده المفعمة بالحنين والعشق،التي يصور من خلالها الكون بمفردات أنيقة ومعاني سامية، تتسم بالبساطة، سرعان ما تجد طريقها إلى الوجدان، لتزيده تألقا وانتشارا واسعا في الميدان الفني.

الثلاثاء، 7 أغسطس، 2012


أليس من العار، تشبيه بحة صوت نعيمة سميح ببحة كلب ..؟! 

ليلة السبت/ الأحد 05 غشت الجاري، يتوقف بنا الزمان لحظة.. حيث أقدمت القناة الثانية على إعادة حلقة فنية، من حلقات "مسار قدمها الإعلامي عتيق بن الشيكر، خلال السنة الماضية، والتي كانت خاصة بتكريم الممثل عبد القادر مطاع .. وقد عمل معد البرنامج، كما جرت العادة على استضافة العديد من الوجوه الفنية المغربية للإدلاء بشهاداتهم في حق الرجل المكرم .. ومن بين الضيوف، نزل الممثل سعيد الناصري، الذي في إطار مساهمته في تنشيط حلقة التكريم، بحيث ظهر جليا أنه أبان عن تخليه عن الأخلاق الفاضلة التي يجب أن يتخلق بها الإنسان على العموم، والفنان على الخصوص، ونسي أن اللـه كرم بني آدم بالعقل وميزهم عن جميع خلقه..   وفضل صاحبنا عن طواعية الضرب بكل الجهود التي بذلها من قبل والتي أصبح بفضلها محط أنظار بعض محبيه والمعجبين بأدائه عرض الحائط، وتراءى له أن ينسلخ عن جنسه الإنساني الذي خصه اللـه به، وبدل المحافظة على فطرة اللـه، آثر أن ينتقل من كائن بشري إلى آخر حيواني، فقط لدفع الجمهور المتواجد ﺒﺎﻷﺴﺘﻭﺩﻴو، ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺩﻴﻥ أمام الشاشة الصغيرة ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻀﺤﻙ، نعم اختار تقمص شخصية "الكلب" وفي مجرى حديثه وهو في وضعه الجديد بين فئة الحيوانات، قال الكثير، ولم يقل شيئا .. لأنه فاته في ذلك احترام ذوق المتفرج .. الاحترام الذي هو أمانة في عنق الفنا.
والمثير في هذا الحدث، هو أن الناصري هذا أطلق للسانه العنان، وﺃﻋﻠﻥ ﻟﻠﻤﻸ ﺒأنه غير مسؤول عن كلامه، وخلص لتشبيه بحة (كلب إسباني) ببحة صوت الفنانة القديرة مطربة الوطن الأولى"نعيمة سميح"، وهذا ما دفع أحد الظرفاء للتعليق على الموقف قائلا : ( ملي وصلنا لرحبة لكلاب صافي ما بقى لا فن ولا فنانين ) الشيء الذي جعلني أدلي بدلوي وأقول، سعيد الناصري .. ليس هكذا تورد الإبل، فإن اخترت حشر نفسك في محيط الحيوانات، والكلاب على وجه الخصوص، فهذا من حقك ولا ينازعك فيه أحد، ولكن الذي هو ممنوع عليك، بل ومحرم، هو أن تشبه فنانة مغربية أعطت الكثير للأغنية المغربية، (بكلب) .. فهذا أظنه يدخل في باب الغيبة التي تعد اعتداء على شخصية الآخرين، وتشبيه بحة كلبك ببحة الفنانة نعيمة سميح هو بمثابة التحدث عن الغير بما يسييء إليه ويشوه سمعته، وليس بخاف أن الغيبة هي من الأعمال  المحرمة، ﻭﻫﻲ ﻤﻥ ﻜﺒﺎﺌﺭ ﺍﻟﺫﻨﻭﺏ، ﻟﻬﺫﺍ ﻴﻠﺯﻡ ﻤﻥ ﻴﻘﻭﻡ ﺒﻬﺎ ﻭﻴﻔﻌﻠﻬﺎ ﺃﻥ ينتظر العذاب ﺍﻟﺸﺩﻴﺩ، واللـه تعالى فصل في هذا الأمر بقوله عز وجل : > ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه< كما أن لرسول اللـه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حديث ﻗﺎل فيه : ﺃﺘﺩﺭﻭﻥ ﻤﺎ ﺍﻟﻐﻴﺒﺔ ؟ ﻗﺎﻟﻭﺍ ﺍﻟﻠـﻪ ﻭﺭﺴﻭﻟﻪ ﺃﻋﻠﻡ، ﻗﺎل: ﺫﻜﺭﻙ ﺃﺨﺎﻙ ﺒﻤﺎ ﻴﻜﺭﻩ : ﻗﻴل ﺃﻓﺭﺍﻴﺕ ﺇﻥ ﻜﺎﻥ ﻓﻰ ﺃﺨﻰ ﻤﺎ ﺃﻗﻭل ؟ ﻗﺎل: ﺇﻥ ﻜﺎﻥ ﻓﻴﻪ ﻤﺎﺘﻘﻭل ﻓﻘﺩ ﺍﻏﺘﺒﺘﻪ، ﻭﺇﻥ ﻟﻡ ﻴﻜﻥ ﻓﻴﻪ ﻤﺎﺘﻘﻭل ﻓﻘﺩ بهته (ﺃﻱ ﻅﻠﻤﺘﻪ ﺒﺎﻟﺒﺎﻁل ﻭﺃﻓﺘﺭﻴﺕ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻜﺫﺏ ) .
وﻋﻨﺩﻤﺎ ﻗﺭﺭﺕ ﺘﻨﺎﻭل ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﻭﻀﻭﻉ ﻷﺒﺩﻱ ﺭﺃﻴﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻭﺍﻗﻌﺔ، ﻟﻡ ﺃﻜﻥ ﺃﺭﻤﻲ ﻤﻥ ﻭﺭﺍﺀ ﺫﻟﻙ، ﻻ ﺍﻟﺩﻓﺎﻉ ﻋﻥ نعيمة سميح، ﻭﻻ ﺘﻭﺠﻴﻪ ﺍﻟﻠﻭﻡ إلى سعيد الناصري ﻋﻠﻰ ﺘﻬﻭﺭﻩ، ﺇﻨﻤﺎ ﻭﺠﺩﺕ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻟﻙ ﻤﺎ ﻴﺠﻠﺏ ﺍﻻﻨﺘﺒﺎﻩ، ﻭﻴﺜﻴﺭ ﺍﻟﺘﺴﺎﺅﻻﺕ، ﺤﻭل ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻴﺠﺏ ﺃﻥ ﺘﺭﺒﻁ ﺍﻟﻔﻨﺎﻨﻴﻥ ﻤﻊ ﺒﻌﻀﻬﻡ ﺍﻟﺒﻌﺽ ﻓﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ ﺍﻷﻤﻴﻥ، ﻷﻥ ﺍﻟﻔﻥ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻗﻴﻤﺔ ﺇﻨﺴﺎﻨﻴﺔ ﺃﻭﻻ ﻭﻗﺒل ﻜل ﺸﻲﺀ، ﻭﻫﻤﺎ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﺔ ﻭﺍﻟﻔﻌﺎﻟﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ، ﻷﻨﻬﻤﺎ ﻴﺤﻤﻼﻥ ﻭﻴﺴﺘﻘﻁﺒﺎﻥ ﻜل ﺍﻟﻁﺎﻗﺎﺕ ﺍﻟﻤﺒﺩﻋﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺴﺘﻁﻴﻊ ﺨﺩﻤﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ﻭﻟﻬﺫﺍ ﻭﺠﺏ ﺍﻟﺘﺫﻜﻴﺭ ﺒﺎﻟﺘﺤﻠﻲ ﺒﺎﻷﺨﻼﻕ ﺍﻟﺤﻤﻴﺩﺓ، ﺤﺘﻰ ﻴﺴﺘﻁﻴﻊ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﺭﻗﻲ ﺒﻔﻥ ﺒﻼﺩﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻤﺼﺎﻑ ﺍﻟﺩﻭل ﺍﻟﻤﺘﻘﺩﻤﺔ، ﻻ ﺍﺘﺨﺎﺫ عباد اللـه ﻭﺼﻠﺔ ﻟﻠﺘﺴﻠﻴﺔ ﻭالسخرية وﺍﻻﺴﺘﻬﺯﺍﺀ.

وفي الختام، لا يسعني إلا قول إﻥ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻬﺠﻭﻡ ﻋﻠﻰ فنانة .. وفي غيابها .. وبكلام لايسرها، ﻻﻴﻤﺕ ﻟﻺﻨﺴﺎﻨﻴﺔ ﻭﻻ ﻟﻠﻤﻬﻨﻴﺔ ﺒﺼﻠﺔ، ﺒﻴﺩ ﺃﻨﻪ ﻜﺎﻥ ﻤﻥ ﻭﺍﺠﺏ ﺍﻟناصري ﺃﻥ ﻴﻠﺘﺯﻡ ﺒﺎﺤﺘﺭﺍمها، ﻷﻥ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻹﻨﺴﺎﻨﻴﺔ ﺘﻨﺒﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﺤﺘﺭﺍﻡ، ﺍﻟﺫﻱ ﻴﻌﺩ ﻗﻴﻤﺔ ﻤﻌﻨﻭﻴﺔ ﺤﻀﺎﺭﻴﺔ ﻴﺤﺙ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺩﻴﻥ الإسلامي ﺍﻟﺤﻨﻴﻑ، ﻭﻤﻥ ﻀﻤﻥ ﻫﺫﺍ ﻁﺒﻌﺎ، ﺍﺤﺘﺭﺍﻡ الإنسان لأخيه الإنسان، ﻭﻟﻭ ﻻ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻌﻨﺼﺭ ﻻﻨﺩﻟﻌﺕ ﺍﻟﻤﺸﺎﻜل ﺒﻴﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﺍﻨﺘﺸﺭﺕ ﺍﻟﻌﺩﺍﻭﺓ ﻭﺍﻟﺒﻐﺩﺍﺀ ﻓﻲ ﻜل ﻤﻜﺎﻥ، ﻤﻤﺎ ﻴﻔﺴﺩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻭﻫﺫﺍ ﻤﺎ ﻴﻭﺤﻲ ﻟﻲ ﺒﺄﻥ ﺃﻁﺭﺡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻲ سعيد ﺍلسؤال التالي: " هل ﻤﻥ ﺤﻘك، ﺃﻥ تشوه سمعة فنانة مغربية كبيرة أحبها الجميع من خلال عطاءاتها، أمام اﻠﺭﺃﻱ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻤﻥ ﺃﺠل ﺍﻟﻅﻔﺭ ﺒﻀﺤﻜﺎﺕ ﻤﺼﻁﻨﻌﺔ ﻤﻥ ﻁﺭﻑ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺩﻴﻥ ﺍﻟﻤﻐﺎﺭﺒﺔ، ﺍﻟﺫﻴﻥ ﺃﺼﺒﺢ ﻤﻥ ﺍﻟﺼﻌﺏ ﺇﻀﺤﺎﻜﻬﻡ، - ﻓﻲ ﻏﻴﺎﺏ ﻓﻜﺎﻫﻴﻴﻥ ﻤﺘﻤﻜﻨﻴﻥ ﻁﺒﻌﺎ- ﻭﻫل ﺘﺩﻓﻊ ﺍﻟﻭﻗﺎﺤﺔ ﺒﻌﺽ ﺍﻟﻔﻨﺎﻨﻴﻥ ﺇﻟﻰ ﺍﺘﺨﺎﺫ غيرهم ﺃﺩﺍﺓ ﻟﻠﺴﺨﺭﻴﺔ ..؟ ﻭﻫل .. ﻭﻫل.. ؟؟! ﻭﻫل ﻴﻘﺒل (ﺍﻟﺴﻲ الناصري) ﺒﺎﻥ ﻴﺘﺨﺫﻩ ﺃﺤﺩ ﺯﻤﻼﺌﻪ ﻭﺴﻴﻠﺔ ﻹﻀﺤﺎﻙ ﺍﻟﺠﻤﻬﻭﺭ.. ؟.


! حــــرام .. الدكالي يكرم، والتلباني يتألم..

ألا أونو .. ألا دوي .. ألا ثري ..
من يفتح المزاد من يشري..
الفرح والآلام   اليأس والأحلام
الصمت والكلام  الحرب والسلام
  
   
 المطلع أعلاه، من أغنية "سوق البشرية" التي حصلت على تتويج عربي تاريخي، تمثل في الجائزة الكبرى للمهرجان الدولي للأغنية في القاهرة سنة 1999، من القرن الماضي .. والتي كانت أيضا موضوع  دراسة أنجزتها الدكتورة الأستاذة الجامعية الباحثة، نعيمة الواجدي، تحت عنوان (النص الزجلي في الأغنية المغربية : "سوق البشرية" نموذجا) وخطت كلماتها الأنامل الذهبية للشاعر الغنائي .. الذي يعتز بمغربيته،  الذي حفر اسمه إلى جانب أكبر المبدعين المغاربة .. الأستاذ عمر التلباني، الفنان الحقيقي الذي يملك القدرة أكثر على الخيال والتصور .. ويستطيع أن يحقق الأكثر .. ويعطي الأكثر .. الذي يعد من بين الشعراء الغنائيين المغاربة الكبار، الذين عاصروا الزمن الجميل، بحيث أنه يقوى على إحياء الكلمة قبل ولادتها، وذلك يظهر في ابتكاره لمواضيع تتجاوز العرف الغنائي، كما هو الشأن ل. "مونبارناس" .. "ثقب في الفضاء" .. "اللـه حي"  .. "غزاة" وغيرها من الروائع،  التي ميزته بلون خاص في مجال الأغنية العصرية، التي جمعت بين الطابعين الشرقي والمغربي.
  
أجل، إنه الشاعر المتميز الذي ميزته أعماله الفنية الخالدة، التي يسعى دائما بصدق من خلالها إلى خدمة المشاعر الإنسانية .. المعتاد على العمل في صمت، وفاء للأغنية المغربية لما يزيد عن أربعين سنة .. بعيدا عن الأضواء .. لايستجدي أحدا كما هو حال الكثيرين من زملائه الفنانين .. لايشكو ضائقته لأحد، يفيض شاعرية، ويعشق الكلمة الصادقة والصور الحالمة الموحية ..  صاحب القصائد الكثيرة المتنوعة الأغراض والموزعة على الوجدانيات .. الغزليات والوطنيات.. الذي يهوى معانقة سماء الخيال الشعري .. ويعتبر الشعر معاناة .. وحالات نفسية لا تخضع لمقياس معين .. وتتجاوز الزمان والمكان .. ذاك الذي يقول:" إن الكتابة عنده تساوي معنى الوجود" هذا الإنسان الذي أعطى للميدان الفني المغربي، بل وللوطن أكثر بكثير مما أخذ منه .. والذي منذ أن وطأت قدماه الساحة الفنية المغربية لم يبخل علينا بروائعه .. غنى له  كبار الفنانين المغاربة .. وقد كان له الفضل الكبير في تغيير المسار الفني لعميد الأغنية المغربية، عبد الوهاب الدكالي، وساهم من جهته في إلتحاقه بركب الحضارة الفنية .. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن الداعي لهذه المقدمة الطويلة، التي ربما يصعب فك طلاسمها من الوهلة الأولى، هو الاحتفاء الذي حظي به مؤخرا الدكالي، خلال المهرجان الدولي للفنون والثقافة "صيف الاوداية"٬ الذي نظمته وزارة الثقافة٬ بتعاون مع المجلس الوطني للموسيقى، تكريما له على الأعمال الفنية المتميزة التي قدمها٬ خلال مساره الفني،  إلى هنا فالأمر عادي ولا شيء يدعو إلى الاستغراب،  ولكن المضحك المبكي، وما يحز في النفس أكثر، ويدمي الفؤاد، هو ما جاء في الكلمة التي تناولها بالمناسبة حسن نجمي، الرئيس السابق لإتحاد كتاب المغرب،  ورئيس سابق لبيت الشعر (ياحسرة) حيث نوه بالتجربة الفنية لعبد الوهاب الدكالي، مذكرا " ... بأن الاحتفاء بعبد الوهاب يعد تكريما له على مساهماته المتفردة في إرساء روح السلام، وتكريس قيم التسامح والمحبة٬ علاوة على مساره التجديدي الذي أثرى من خلاله الأغنية المغربية ..." ناسيا (الشاعر والصحفي) حسن نجمي أن للأغنية ثالوثا، يتمثل في الكلمة .. اللحن والأداء، لذلك، كان الأحرى به  الاعتراف والتنويه  بكل المساهمين في النجاحات التي تحققت، وليس مجاملة البعض والتملق لهم على حساب الآخرين، ولايفوتني هنا الاستشهاد بجواب لسيدة الطرب، كوكب الشرق أم كلثوم عن سؤال طرح عليها ونقل عبر الأثير قيد حياتها، مفاده: " الكلمات .. واللحن .. والصوت .. فأي هذه الأركان هو الأهم ..؟ حيث كانت صريحة في جوابها وقالت : (الكلمات هي الأهم .. الشعر هو الركن الأساسي في الأغنية الناجحة  لأن الملحن ينفعل مع الكلمات الجميلة فيبدع ألحاناً فريدة .. والمغني يتفاعل مع الشعر الجميل فيخرج الغناء من أعماق إحساسه ..) وأقول أنا، ومعي كل أصحاب الذوق السليم .. التلباني الشاعر، هو أول إنسان تجدر الالتفاتة إليه، -على رأي أم كلثوم- لأنه هو صاحب الشعر ومبدعه .. علاوة على ذلك، إنه يوجد في الوقت الراهن في حالة صحية لا تبشر بخير، ما دام تنكر له الجميع، وبخاصة أقرب المتعاملين معه في الميدان الفني، وعميد الأغنية المغربية، عبد الوهاب الدكالي في هذه الوضعية الصعبة يرأس جوقة المتنكرين ..
لما أشير هنا إلى خبر تكريم فنان مغربي، من عيار الموسيقار عبد الوهاب الدكالي، فإني لا أريد أن يذهب قلمي بعيدا ليُفسر كلامي بأني ألوم الذين ساهموا في حفل تكريمه، وعلى رأسهم وزير الثقافة، فقط من أجل اللوم، ولكن أردت دعوة الجهات المختصة إلى الالتفات إلى الفنان الهرم، الشاعر التلباني، شريك عبد الوهاب الدكالي في النجاح في مجال الأغنية المغربية المتجددة، والذي مهد له الطريق بكلامه للوصول إلى المكانة المشرفة، التي يتبوؤها اليوم في العالم الفني .. إنه التلباني، الذي تعامل مع العديد من الملحنين المقتدرين، ومشاهير الأصوات، الأحياء منهم، وآخرون أصبحوا في تعداد الأموات، ورغم كل ذلك لم يلتفت إليه أحد، سواء من هؤلاء، أو من أولائك المسؤولين الذين بأيديهم زمام أمور الفن  ببلادنا .. قلت، لم يلتفت إليه أحد، خصوصا أثناء المحنة التي مر منها مؤخرا، حيث ألم به مرض فريد من نوعه، اضطره إلى الدخول على وجه السرعة إلى إحدى المصحات الخاصة بمدينة الدار البيضاء، وما أدراك ما المصحات الخاصة ..! حيث أجريت له عملية جراحية تحمل لوحده مصاريفها، رغم قلة ذات اليد .. كما أنه لازال على موعد مع عملية أخرى في القادم من الأيام، اللـه وحده يعلم مصيرها .. كل هذا يجري في غياب مسؤولي النقابات الفنية، الذين يتسابقون فقط على المناصب لحصد الغنائم على حساب الفنانين المغلوب على أمرهم، الذين يفضلون العيش بكرامة، لأنهم يدركون تمام الإدراك، أن الحياة بلا كرامة لا قيمة لها، وقد يكون السؤال المشروع، لماذا يدخل مثلا الفنان عمر التلباني للتداوي في مصحة خاصة وعلى حسابه الخاص، وهو لاحول ولا قوة له،  بينما هناك في عاصمة المملكة، مستشفى الشيخ زايد، يستقبل بعض المحسوبين على الميدان الفني (ظلما وعدوانا) والذين ليس بينهم وبين الفن أي صلة ..؟  ولماذا لايستفيد أبناء الشعب على قدم المساواة  من المصاريف التي تصرف على مثل هؤلاء ..؟ ولماذا لايُلتفتُ إلى شاعرنا المغربي الإنسان البسيط، لمساعدته على تخطي هذه الأزمة الصحية، ولو من باب مكافأته على ما قدمه لهذا البلد من كلام هادف موزون ..؟
أملي أن تكون هذه الهفوة التي سقط فيها عبد الوهاب على وجه الخصوص، ووزارة الثقافة على العموم،    -ربما-  عن غير قصد .. قلت، أملي أن تكون  بمثابة سحابة صيف، تمر سريعا ليعود أهل المجال الفني ببلادنا والمتحكمين فيه إلى ما يقتضيه الواجب الإنساني، وما يفرضه الضمير المهني، ليولوا بالتالي العناية الواجبة للشموع التي تحترق من أجل إضاءة الطريق للآخرين.